الشيخ السبحاني

380

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

الأعمال التي توجب الشقاء والسعادة ، ويدلّك على ذلك قوله سبحانه في الآية المتقدمة : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ « 1 » . وبذلك يظهر ضعف ما اعتمد عليه المحقق الخراساني في معالجة مسألة العقاب حيث قال : « العقاب إنما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار ( الإرادة ) الناشئ عن مقدماته ، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية ، اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإنّ السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمّه » « 2 » . كيف وقد دلّت التجارب العلمية على أنّ كثيرا من الملكات والصفات يكتسبها الإنسان على مدى حياته بممارسة الأعمال والأفعال ، وإلّا فالإنسان يخلق على الفطرة الصحيحة السالمة قال سبحانه : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » ، فالآية تفسّر الدين الذي يجب التوجه إليه بقوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . و « الفطرة » بمعنى الخلقة بقرينة قوله سبحانه : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . وتشير الجملة إلى أنّ الذي يجب التوجّه إليه ( لقوله فأقم وجهك للدين حنيفا ) هو مما جبل الإنسان عليه ، فإصغاؤه لدعوة الدين تلبية لنداء الفطرة ، ومن خلق على فطرة الدين كيف يكون شقيا بالذات ؟ تحليل لآية أخرى ربما يتمسك في إثبات الشقاء الذاتي بقوله سبحانه ، حاكيا عن

--> ( 1 ) سورة هود : الآية 101 . ( 2 ) كفاية الأصول ، ج 1 ، بحث اتحاد الطلب والإرادة ، ص 100 . ( 3 ) سورة الروم : الآية 30 .